الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

((..ولتجدن أقربهم موده للذين آمنو الذين قالوا ءانا نصارى ..))


«.. ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنـَّا نصارى..»
زياد أبو غنيمة
قبل سنوات ، وفي أحد الملتقيات الوطنية ، وبمشاركة نخبة من السياسيين والإعلاميين والمفكرين والحزبيين ، مسلمين ومسيحيين ، لم يجد أحد شيوخنا الأفاضل من بيـن كل آيات قرآننا العظيم في معرض تنديده بعداوة الإدارات الأمريكية للعرب وللمسلمين غير الآية الكريمة : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتـَّـبع ملـَّـتهم ... ) ، كانت ردَّة فعل مواطنينا اهلنا ألمسيحيين عفوية عبـَّـر عنها زميل الرحلاية الواحدة الصديق الراحل الكاتب جورج حدَّاد بأسلوبه اللاذع : إنتو جايبيـنـَّـا مشان تسبـُّـونا ..؟ .
ما فتئتُ منذ عقود أطلق الصرخة تلو الصرخة في مقالاتي ومحاضراتي وندواتي وأقول إنه لا ينبغي التعميم في هذا الأمر ، فمثلما تعامل القرآن العظيم مع الصف المسلم كصنفين ، الصنف المؤمن الصادق في إسلامه ، والصنف المنافق المتستر بالإسلام ليخفي عداءه للإسلام ، فإنه من الخطأ الذي لا يستفيد منه سوى الصهاينة والمتصهينون أن نتعامل مع المسيحيين جميعا كأعداء ، وإنما علينا أن نلتزم بالهدي القرآني الذي يقرًّر أنه مثلما ينقسم المسلمون إلى صنفين : مؤمنين صادقين ، ومنافقين أعداء ، فكذلك ينقسم المسيحيون إلى صنفين ، صنفّ ودودّ ( .. ولتجدنَّ أقربهم مودَّة للذين آمنوا الذين قالوا إنـَّـا نصارى ذلك بأن منهم قسًّيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) ، وصنفّ عدوّ ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) .
هــذا الفهم المستنير كان وراء إكرام الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم لعشائر جنوب الأردن المسيحية العربية الجذور ، العروبية الهوى ، من عُـزيزات وحدَّادين وهلسا وزيادين وغيرهم ، تقديرا لدورهم في التعجيل برحيل المستعمر الروماني عن بلاد الشام لتصبح القلب النابض للوطن العربي الكبير ، وهذا الفهم المستنير كان وراء حرص الشيخ حسن البنا على أن تضم الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين أكثر من شخصية من الشخصيات القبطية ، وهذا الفهم كان وراء حرص الدكتور مصطفى السباعي قائد الإخوان في سوريا على الإحتفاظ بأوثق صلات المودة والصداقة مع العديد من الشخصيات المسيحية السورية كالزعيم المسيحي فارس الخوري رئيس وزراء سوريا الأسبق ، وهذا الفهم كان وراء حرص إخوان الأردن في الخمسينيات على أن يكون شاعرنا الأديب الكبير المسيحي البلقاوي سليمان المشيني خطيب معظم احتفالات الإخوان في السلط وفي عمان وفي الزرقاء وفي إربد .
نحن اليوم ، عربا مسلمين ومسيحيين ، أحوج ما نكون إلى ترجمة هذا الفهم القرآني إلى جبهة إسلامية ــ مسيحية تـُجسًّـد الوحدة الوطنية الإسلامية ــ المسيحية في التصدًّى للحلف الشيطاني القائم بين الصهيونية وبين المتصهينين من اليمين المتطرف المسيحي ومشروعه الذي يهدف لإستئصال هويتنا العربية ، وطنا وأمة وحضارة ووجودا .
يا لشدَّ ما أسرني المطران العربي الفلسطيني عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطيه بفلسطين ، وهو يمسك ذات مهرجان جماهيري في 24 ـ 7 ـ م2005 في أم الفحم بفلسطين المحتلة عام 1948 م بساعديه ساعدَ شيخ الأقصى الأسير عكرمة صبري من جهة ، وساعدَ شيخ الحركة الإسلامية الأسيرة في فلسطين المحتلة عام 1948 م الشيخ رائد صلاح من جهة ، ويرفعهما إلى عنان السماء ليطلق صرخته المدوًّية أمام عشرات آلآلاف من أبناء فلسطين المنغرسين في وطنهم المحتل الذين تجمعوا مسلمين ومسيحيين في ملعب مدينة أم الفحم داعيا إلى تشكيل جبهة عربية إسلامية - مسيحية تتصدَّى للمشروع الصهيوني الذي يستهدف المسلمين والمسيحيين على حد سواء ، وكلما إستذكرت صورة المطران حنا عطا الله والشيخين عكرمة صبري ورائد صلاح تقفز أمام عينيَّ صورة الحاج أمين الحسيني وإميــل الغوري ، صورة مكرم عبيد وحسن البنا ، صورة مصطفى السباعي وفارس الخوري ، صورة كامل الشريف والمطران إيليا خوري ، صورة نجيب نصـَّـار وأكرم زعيتر ، صورة جورج غالاوي وإسماعيل هنية ، صورا تجسًّـد نموذجــا مثاليا للوحدة الوطنية الإسلامية ــ المسيحية التي ننشدها حقيقة مؤسَّساتية فاعلة دائمة ، لا مجرد فزعات عاطفية تتوهـَّـج ثمَّ تخبو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق