الخميس، 24 سبتمبر، 2009

مغالطات زيدانيه



مغالطات زيدانية

مساحة رأي
بقلم: كمال غبريال
يقولون أن "الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة". . تذكرت هذه العبارة وأنا أقرأ مقال د. يوسف زيدان في جريدة المصري اليوم، يوم 23 سبتمبر 2009 بعنوان: "أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف تحصيلُ الفلوسِ بالجزية أو بالمكوسِ"، فالروح التي تشيع في المقال من بدايته إلى نهايته روح وطنية، تساوي بين جميع المنتمين لهذا الوطن، باختلاف أديانهم وأعراقهم. . مع ذلك جاء المقال مهزلة بكل المقاييس!!رغم تيقني من حسن نية صديقي د. يوسف زيدان، وتقديري للدوافع التي حفزته على كتابة ذلك المقال، إلا أنني مضطر لأن أقول له "عفواً يا صديقي"، فالغاية لا تبرر أبداً الوسيلة. . إحقاق الحق يا عزيزي د. يوسف، لا يحتاج لتأسيسه إلى المغالطات، ولا إلى إساءة قراءة التاريخ، ولا إلى تهافت الاستدلال والمعالجة، وكلها فيروسات تجسدت في مقال يأخذ في عمومه شكل الوطنية وحسن النية.نحن لن نستطيع أبداً أن نعبر إلى الحداثة، طالما نتخذ من التاريخ مرجعية لنا، سواء كنا خلال ذلك منجذبين إلى تفسيرات متخلفة وغبية ومدمرة لواقعنا المعاصر، أو كنا ممن يميلون لتأويله واستنطاقة بما نريد أن نستنطقه به. . في شرعي أن هذا النمط من التأويل هو لي عنق للحقائق التاريخية، وتزييف للوعي، فوق أنه خيانة ولاريب للأمانة العلمية. . الدولة الحديثة القائمة على المواطنة ومعايير حقوق الإنسان جديدة تماماً عن أي تاريخ لأي شعب، وهي بالتأكيد أبعد ما تكون عن تاريخ منطقتنا، الحافل بالجرائم التي ارتكبت باسم الدين، والدين منها بريء. . الطريق إلى الحداثة يا عزيزي د. زيدان واضح ومستقيم، ولا يحتاج منك أو منا أن نجهد أنفسنا وندور حولها عدة دورات، تصيبنا بالدوار، فنسقط من حالق. . أن يكون الحاضر مرجعيتنا وليس التاريخ، وأن يكون المستقبل وجهتنا وقبلتنا، فهل في هذا النهج ما ينفر ويزعج، حتى نتجاهله ونلجأ للتلفيق والمغالطات؟يستنكر دكتورنا في مقاله الحديث عن دفع الأقباط للجزية، سواء حديث من يقولون بوجوب دفع الجزية من السلفيين، أو من يستنكرون ذلك من الأقباط، لكنه كما قلنا يتجاهل الطريق والمنطق المستقيم، ويختار نهج المغالطة ولي عنق الحقائق التاريخية والمنطقية معاً، فنجده يقول:"الذمة فى اللغة العربية، وفى المفهوم الفقهى الإسلامى، تعنى (الأمان) وهى لا ترتبط بأى معنى سلبى، بل على العكس، كان العربى يمتدح القوم بأنهم بالنسبة إليه «لهم ذمة» وفى شعر المتنبى: إن المعارف فى أهل النهى ذمم.وفى كلامنا المعاصر إذا استحلفنا شخصاً بأمرٍ عزيز، قلنا: بذمّتك؟ إذن، الذمة ليست أمراً مذموماً"أتعجب كيف يقبل قامة علمية وثقافية مثل د. زيدان على نفسه، أن يلجأ لهذا الأسلوب في الهروب من المفاهيم. . فسيادته يعلم بالتأكيد البون الشاسع بين الدلالة اللغوية للكلمات، وبين دلالتها الاصطلاحية، تلك التي تتطور مع الزمن والممارسة، ولنضرب مثلاً للقارئ (وليس لعالم بحجم د. زيدان) للتوضيح. . فكلمة "عَقْل" في اللغة العربية، أصلها مصدر من الفعل "عَقَلَ" أي ربط، فيقال "عَقَلَ" الدابة، أي ربطها في وتد، لكنها مع الوقت صارت لها دلالة مختلفة إلى حد كبير، وإن كان مفهوم العقل عند المتحدثين بالعربية، مازال يحمل آثاراً من جذر الكلمة.ترى، هل هذا الهروب من الدلالة الاصطلاحية يغير من الأمر شيئاً، وهل يبدل نيات من يريدون العودة بنا إلى عصور التخلف والاستبداد، وهل تنفي الدلالة اللغوية الدلالة الاصطلاحية الواردة في نصوص لا نملك إزائها إلا الصمت؟!!!احترامي وتقديري للدكتور زيدان وعلمه، يجعلني آسفاً أقول أنه قد ارتكب جريمة أخرى في حق نفسه، وفي حق المنطق واستقامة العرض والتحليل، حين اجتهد في دمج مفهوم الجزية وتاريخها، مع مفاهيم واصطلاحات أخرى مختلفة تمام الاختلاف، هي مفاهيم "الخراج" و"الضرائب" و"المكوس"، ولسنا نعلم بالتحديد من يستهدف سيادته بهذا الخداع المنطقي. . أيستهدف السلفيين الذين لن تنطلي عليهم مثل هذه التلاعبات بالألفاظ، أم يستهدف الأقباط لكي يقبلوا بفرض الجزية، الملونة بمعسول وزائف الكلام؟فسيادته يعرف، كما أن أبسط المضطلعين يعرف، أن الجزية فرض على الرأس غير المؤمنة بالإسلام، في حين أن الخراج ضريبة على الريع، والمكوس ضريبة تجارية على تحركات البضائع. . فأي علاقة لهذه بتلك، إلا إذا كان اعوجاج المنطق وتعمد المغالطة؟من المذهل والمحزن معاً، أن يقترف دكتورنا قراءة معاكسة للتاريخ، فيقرر بجسارة في مقاله:"ولما جاء المسلمون لم يكن همهم تحصيل أعلى قدر من الضرائب العامة، جزيةً، أو خراجاً، أو مكوساً"رغم أنه في الفقرة التالية مباشرة، يناقض نفسه، مقراً بما ارتكب في حق مصر والمصريين من نهب وسلب، وصل إلى حد التجويع للبشر، والتبوير للأرض وهلاك الزرع والضرع، إذ يقول:"وقد اعترض عمرو بن العاص، نفسه، على الخليفة عثمان بن عفان حين ضغط نائبه فى مصر (عبد الله بن أبى سرح) على البلاد، فجمع منها مالاً كثيراً. وهذه الواقعة مشهورة فى التاريخ الإسلامى، ورواها عدد كبير من المؤرخين والإخباريين ورواة السيرة والتراجم"لسنا هنا بالطبع في معرض استعراض ماذا فعلت جحافل العرب التي دخلت مصر بالبلاد وأهلها، ولا كيف استنزفت مواردها بجهل وجهالة. . جهل من لا يعرف معنى للإنتاج ومتطلباته ومصاريفه، وجهالة من تقوم حياتهم على الغزو والنهب والسلب، ولا يعرفون الفؤوس والمناجل والمحاريث، ولا يتقنون غير القبض على السيوف التي تقطر بدماء ضحاياهم.ولأن دكتورنا يعلم علم اليقين تهافت منطقه، نجده يوغل في المغالطات التاريخية، فيذهب لنفي التعسف المصاحب للجزية، إلى حكايات فردية (إن كانت صحيحة) لا تدل إلا على الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. . ذلك بأحاديثه عن روايات لإعفاء عمر بن الخطاب لهذا الشحات أو ذاك من دفع الجزية، متجاهلاً أن قراءة التاريخ تكون باكتشاف مساره العام، وأن تقييمه يكون بتقييم النظم والعلاقات السائدة، وليس بالاستناد إلى روايات فردية، تضمنتها كتب التراث، من قبيل الرتوش التي تحاول ستر قبح وجه دميم وبشع!!ويبدو أن للسقوط غوايته، فلقد تمادى د. زيدان، ليتجاوز العنوان الذي حدده لمقاله، وهو الحديث عن الجزية، ليتطرق بنفس نهج المغالطة لتناول قضية أخرى، وهي ما يدعيه بعض الأقباط، بأنهم أصحاب مصر وحدهم دون المسلمين من أبنائها. . ورغم أن هذا الادعاء الساذج مردود عليه تماماً، وقد قام من بين الأقباط ذاتهم من يستهجن ويسفه هذا الادعاء، إلا أن عزيزنا الدكتور شاء على نهج "ودنك منين يا جحا"، أن يقول كلاماً عجيباً، نستحي أن نعطي له وصفاً هو به جدير، إذ نجده يقول:"ثانياً: لم يكن الأقباط حين جاء عمرو بن العاص فاتحاً (غازياً) يحكمون مصر، كى يقال إنه أخذها منهم أو احتلَّها من أصحابها الأصليين! فالذى يملك مصر هو الإمبراطور هرقل، وقبله بسنواتٍ الفرسُ (البابليون) وقبلهم بسنوات نيقتاس.. وهؤلاء جميعاً ليسوا مصريين أصلاً، ولا أقباطاً أصلاً!بل الأكثر من ذلك، أن مصر طيلة تاريخها لم يحكمها حاكم قبطى (قطُّ) لا فى أيام عمرو بن العاص، ولا قبله، ولا بعده. وبالتالى فإن خرافة (أصحاب البلد) التى بدأت تروج مؤخراً، هى محض خرافة وتوجيه للأكاذيب.. وإلا، فليقل لنا هؤلاء اسماً واحداً، لحاكم قبطى واحد تولى حكم هذا البلد."أكاد أشك أن هذا الكلام هو بالفعل كلام د. يوسف زيدان، بل ومن المشكوك فيه أن يكتبه، من حصل لتوه على شهادة محو الأمية. . دكتورنا يعطي المحتل صكاً بملكية مصر قائلاً: " فالذى يملك مصر هو الإمبراطور هرقل". . هو إذن يتجاهل أو يجهل الفرق بين الاحتلال الأجنبي، وبين ملكية شعب لأرضه وأرض أجداده على مر آلاف السنين. . كل هذا من أجل أن ينزع ملكية مصر عن المصريين، ويعطي بالتبعية شرعية للمحتل العربي، فياله من منطق، وياله من مقال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق