السبت، 24 أبريل، 2010

الأستاذ مجدى خليل يقول :العنف ضد الأقباط : جرائم دوله


منذ أيام صدرت دراسة تحليلية مميزة ومركزة فى 26 صفحة بعنوان " العنف الطائفى فى عامين: ماذا حدث؟ ومن أين نبدأ؟". الدراسة صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهى منظمة تقوم بدور حقوقى مهم فى السنوات الأخيرة ويرأسها شاب نشط هو حسام بهجت.
رصدت المنظمة 53 حالة عنف دينى فى عامى 2008 و2009، أى بمعدل حالتى عنف دينى شهريا، منهم 51 حالة عنف ضد الأقباط، وحالة واحدة ضد البهائيين، وحالة وأحدة ضد مسلمين، مما يجعل التقرير فى الواقع هو العنف ضد الأقباط فى عامين. من ناحية أخرى فان المنظمة رصدت حالات العنف الواضحة التى نشرت عنها الصحف واذاعتها الفضائيات ووكالات الأنباء واستدعت تدخل الشرطة، ولم تتحدث عن حالات العنف الفردى ضد الأقباط، ولم تتحدث عن أشكال الإضطهاد الأخرى بخلاف العنف، ولم تتحدث عن حالات التمييز الواسع الواقع عليهم،ولم تتحدث عن التحرش الدينى والعنف اللفظى الواقع على الأقباط، ولم تتحدث عن العنف الإعلامى ضدهم، ولم تتحدث عن ما يحدث فى المؤسسات التعليمية من استبعاد لهم وضد عقيدتهم.. ولو رصدنا وجمعنا كل ذلك بشكل دقيق نكون إزاء كارثة حقيقية وجرائم متعددة الأبعاد.
إذا تتبعت حالات العنف ال 51 ضد الأقباط كما جاء فى هذا التقرير الهام تصل إلى نتيجة مؤكدة وواضحة أن الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة هى الفاعل الحقيقى، ولهذا كان تقديرنا والذى طرحناه من قبل بأن التوصيف الحقيقى لهذا الجرائم هى " جرائم دولة"... لقد تجاوز دور الدولة فى الجرائم حالات "الإنكار"، و " الاستخفاف"، و"قصر النظر"، و" التخلى عن المسئولية"، و" التقصير"، و" التواطؤ" "، و"معاقبة الضحايا" إلى" المشاركة الفعلية فى الجرائم". وكما جاء فى التقرير"ووصل الأمر إلى أن باحثي المبادرة المصرية رصدوا في بعض حوادث العنف الطائفي تورط رجال الشرطة أنفسهم في عمليات عنف تجاه المسيحيين وفي الاعتداء على ممتلكاتهم، مثل أحداث عزبة بشرى الشرقية التابعة لمركز الفشن بمحافظة بني سويف التي وقعت في 21 يونيو 2009، حيث أجمعت العديد من الشهادات التي حصل عليها ووثقها باحثو المبادرة المصرية على أن رجال الأمن كانوا يقتحمون منازل المسيحيين ويقومون بتحطيم ممتلكاتهم. وكذلك في أحداث صفط اللبن بحي بولاق الدكرور في محافظة الجيزة التي وقعت في يوم 13 مايو 2009، والتي أكد فيها بعض الضحايا على أن رجال الشرطة كانوا يحطمون ممتلكات المسيحيين أثناء عمليات القبض عليهم من داخل منازلهم". علاوة على أن الشرطة تمتنع عن التدخل لحماية منازل وممتلكات الاقباط، وبعد كل حادثة كما جاء فى التقرير "تتعمد الداخلية اعتقال أعداد مساوية أو متقاربة من المسلمين والمسيحيين. ويتم الاعتقال لتحقيق هدف فرض التهدئة من خلال استخدام المعتقلين كرهائن، أو ورقة ضغط على الأهالي لقبول التنازل عن حقوقهم وإنجاح جلسات الصلح العرفي التي ترعاها وزارة الداخلية. وفي أحيان أخرى تكون الاعتقالات شكلاً من أشكال معاقبة المتورطين بعيداً عن المحاكم ودونما اعتبار للقانون".، كما تشارك أجهزة الأمن بجريمة أخرى ضد الأقباط وهى التهجير القسرى وكما جاء فى التقرير " التهجير القسري ـ والذي لا يجيزه القانون المصري بأي حال من الأحوال ـ تكرر بوتيرة متزايدة على مدى العامين الماضيين، وتقوم به وزارة الداخلية في أغلب الأحوال لإرضاء المسلمين في منطقة التوتر ولفرض التهدئة. وفي أغلب الأوقات يكون الإبعاد نهائياً وبناء على تعليمات شفهية من ضباط أمن الدولة، أو تكون مدة الإبعاد عن السكن أو المدينة غير معلومة، مثلما حدث مع خمس أسر بهائية تم تهجير أفرادها من منازلهم بقرية الشورانية في محافظة سوهاج منذ 31 مارس 2009 وحتى وقت صدور هذا التقرير. وكذلك إبعاد الكاهن إسحاق قسطور عن عزبة بشرى الشرقية التابعة لمركز الفشن بمحافظة بني سويف في 29 يونيو 2009، بعد أحداث العنف التي شهدتها العزبة في 21 يونيو 2009. وذات الأمر حدث مع مدرس مسيحي أبعد عن مدينة أبو المطامير بمحافظة البحيرة هو وزوجته وأبنائهما الثلاثة إلى محافظة أخرى منذ أبريل 2008 بعد تردد شائعات أنه يقوم بإقناع طالباته بالتحول إلى المسيحية. وفي حالات أخرى يتم الإبعاد لفترات زمنية قصيرة نسبياً، مثل إبعاد خمسة مسيحيين من مركز سيدي سالم التابع لمحافظة بني سويف لمدة ثلاثة أشهر من منتصف أكتوبر 2008 إلى بداية يناير 2009 ". وأيضا تقوم أجهزة الأمن بجريمة قانونية أخرى وهى أجبار الضحايا على قبول الصلح العرفى والتنازل عن ما لا يسمح به القانون كما جاء نصا فى التقرير "قبول التصالح غير المسموح به قانونا في الجنايات، كالحوادث التي يتم فيها إحراق منازل أو منشآت صناعية أو تجارية مملوكة للمسيحيين، وهي جنايات لا يجوز قانونا التنازل عنها من طرف المجني عليهم. وعلى الرغم من أن قانون العقوبات المصري منح حماية خاصة لدور العبادة من تعرضها للإتلاف أو التخريب، حيث قررت المادة 160 من قانون العقوبات عقاباً لمن يقوم بتلك الجريمة التي لا يجوز التصالح فيها، إلا أن هذه المادة يبدو أنها لا تطبق على من يقوم بإتلاف أو تخريب كنيسة. فالكثير من جرائم العنف الطائفي التي وقعت في مصر خلال العامين الماضيين تم فيها استهداف كنائس وإحداث تلفيات بها بل أحيانا محاولة حرقها، إلا أن المبادرة المصرية لم ترصد محاكمة واحدة لأحد الأشخاص بهذه التهمة.... وغالبا ما تتضمن جلسات الصلح تنازل الضحايا عن الشكوى المقدمة منهم، وإجبار الضحايا على الإقرار بهذا التنازل مباشرة أمام النيابة العامة أو توثيقه لدى الشهر العقاري وتقديمه إلى النيابة. وكذلك تتضمن جلسات الصلح تعهداً بعدم إقامة إية دعاوى قضائية من طرفي النزاع، بما في ذلك التعهد بعدم المطالبة بالتعويض أمام المحاكم".
وفوق كل ذلك ترفض أجهزة أمن الدولة تنفيذ قرارات رئيس الجمهورية فيما يتعلق ببناء الكنائس الجديدة أو ترميم المتهالك منها، وكما جاء فى التقرير "ورغم أن قرار رئيس الجمهورية رقم 391 لسنة 2005 سمح بإجراء أعمال الترميم للكنائس بمجرد إخطار السلطات دون الحاجة إلى تصريح مسبق، إلا أن الأجهزة الأمنية قامت بوقف أعمال ترميم لكنائس حصلت بالفعل على تراخيص بالترميم. ففي 13 يوليو 2008 أمر جهاز مباحث أمن الدولة بوقف أعمال ترميم كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بقرية (هو) التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا. وفي 17 أغسطس 2008 تعرضت ثلاث نساء للضرب من قبل مندوب الشرطة بعد أن حاولن إدخال كمية من الرمال إلى داخل كنيسة قرية دشاشا التابعة لمركز سمسطا بمحافظة بني سويف لإصلاح أرضيتها المتصدعة بسبب تجمع المياه أسفلها. وخلال شهر يناير من عام 2008 أوقفت أجهزة الأمن بمحافظة بني سويف عمليات ترميم كنيسة مار مينا بقرية (وش الباب) التابعة لمركز أهناسيا. واستدعى تركيب صليب خشبي في مدخل كنيسة العذراء بأسيوط تدخل مساعد وزير الداخلية بالمحافظة والمطالبة بإزالته لأنه يثير استياء المسلمين. وفي النهاية لم تتم إزالة الصليب ولكن الكنيسة وافقت على عدم إضاءته بالأنوار الكهربائية".
وبناء على ما جاء فى هذا التقرير وغيره من عشرات التقاريرالأخرى عن دور الأمن يكون الوصف الحقيقى الدقيق، لإنتقال الأحداث الطائفية فى مصر من محافظة إلى أخرى ومن قرية لقرية حتى وصلت للعزب والنجوع، هو " فتنة الأمن".. فهذه الأحداث من تأليف وسيناريو وحوار واخراج تقوم بها الأجهزة الأمنية فى مصر، وخاصة جهاز مباحث أمن الدولة.. ولن تنجح أى جهود مخلصة لوقف العنف الطائفى طالما أن الملف القبطى برمته تديره هذه الأجهزة.
مباحث أمن الدولة تقوم بأخطر دور فى هذا الملف وهو محاولة تدمير العلاقة المستقرة نسبيا بين المسلمين والأقباط منذ بداية الدولة الحديثة التى اقامها محمد على فى مصرعام 1805.
إن ما توصلت إليه المنظمات الحقوقية حول دور أمن الدولة والأجهزة الأمنية الأخرى فى إضطهاد الأقباط والعنف الواقع عليهم هو قطرة فى بحر بالنسبة للدورالحقيقى للأمن فى إضطهاد غير المسلمين، فما خفى كان أعظك وأعظم واعظم......
أما دور النيابة فقد وصفه التقرير وبحق بأنه دور " يبعث على الخزى" حيث لا توجد رغبة أصلا فى التوصل إلى الجناة رغم معرفة الضحايا بأسماء الجناة وعناوينهم والإرشاد على طريقة ارتكابهم للجريمة حيث يعرف الناس بعضهم البعض فى هذه القرى والمدن الصغيرة. وبعد النيابة نأتى إلى دور القضاء الذى وصفه التقرير بالقول " إن استبعاد القضاء من النظر في حوادث العنف الطائفي هو النمط الثابت في تعامل الدولة مع أحداث العنف الطائفي، إن نسبة جرائم العنف الطائفي التي رصدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال العامين الماضيين في محافظة المنيا والتي لم تتم إحالتها للمحاكمة تبلغ 100%. ويكاد يتشابه الوضع ذاته في باقي المحافظات التي وقعت بها أحداث عنف طائفي. والحوادث القليلة للغاية التي تم عرضها على المحاكم يبدو أن المحققين فيها لا يبذلون القدر الكافي من الجهد والتحقيقات اللازمة للوصول إلى الجناة الحقيقيين..... وكذلك أحكام البراءة التي تصدر في جميع جرائم العنف الطائفي، كلها أسباب جعلت الإفلات من العقاب هو الطابع السائد في جرائم العنف الطائفي. وهو ما تسبب في تزايد حدة العنف الطائفي وخسائره مع نهاية عام 2009 وبداية 2010. فالمعتدون ينتهي بهم الحال وهو يشعرون بالانتصار مرتين: مرة حين نفذوا اعتداءاتهم الإجرامية ضد الطرف الأضعف، ومرة حين أنصفتهم الدولة ووقفت بجوارهم وحمتهم من العقاب على اعتداءاتهم. وبالمثل، فإن الحصانة من العقاب تترك الضحايا لشعورهم بأنهم غرباء ومواطنو درجة ثانية في بلدهم، أولا بسبب ما تعرضوا له من اعتداءات لا لسبب سوى لكونهم مسيحيين، وثانيا لأن الدولة لم تنصفهم بل لم تقف حتى على الحياد إزاء ما تعرضوا له واختارت الوقوف في خندق المعتدين عليهم".
رصد التقرير أيضا عددا من الأمور المزعجة جدا والتى يتغافلها الكثيرون عند تناولهم لملف العنف الدينى فى مصر، أول هذه الامورأن العنف ليس عشوائيا كله كما يتصور البعض فقد رصدت المنظمة عمليات تأخذ طابع منظما ومحدد الأهداف كما حدث فى قرية النزلة بالفيوم يوم 20 يونيه 2008، وثانيا أن استهداف المصالح الاقتصادية للمسيحيين يكاد يكون عاملا مشتركا فى معظم هذه الحوادث، وثالثا وصل إضطهاد الأمن للأقباط بمنع بعضهم بشكل غير قانونى بعدم بناء منازل خاصة بحجة النية فى تحويلها إلى كنيسة أو هدم هذه البيوت الخاصة، ومن أغرب ما شهدته فترة الرصد قيام النيابة العامة بالتحقيق مع مواطن لأنه استضاف صلاة جماعية فى منزله بدون ترخيص، ووصل الأمر لمنع أقباط من الصلاة على جثمان سيدة مسيحية فى عزبة واصف بالعياط يوم 1 ابريل 2009 بحجة منع تحويل هذه الجمعية إلى كنيسة.رابعا فى كل حوادث العنف ضد الأقباط تم إستهداف كنائسهم بدرجة أو بأخرى. وخامسا ظهرت فى فترة التقرير أستهداف المسيحيين بالقتل العمد على أساس الهوية، وهى جرائم ضد الإنسانية وفقا للقانون الدولى. وسادسا رغم وقوع 21 حادث من هذه الحوادث فى محافظة المنيا وحدها،أى بمعدل حادث عنف دينى كل 35 يوم وذلك فى 17 قرية تتبع سبعة مراكز بالمحافظة إلا أن محافظ المنيا أنكر تماما وقوع أى حادث عنف طائفى فى محافظته!!!.
لقد تعمدت نقل فقرات بنصها من التقرير، وهو صادر من داخل مصر ويرأسه شخص مسلم، لكى نبين خطورة الوضع الذى يعيشه الأقباط والذى يحذر التقرير من إمكانية إندلاع عنف يشمل محافظة باكملها أو عدة محافظات إن لم تتدخل الدولة وتتحمل مسئوليتها. هذا السيناريو الكابوس الذى أشار اليه التقرير هو الخطوة القادمة المتوقعة فى مسلسل العنف المتصاعد ضد الأقباط أو بمعنى أوضح فى سلسلة جرائم الدولة ضد الأقباط..

magdi.khalil@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق