الثلاثاء، 31 مايو، 2011

الاستاذ موريس صادق بين حرية التعبير والخيانه العظمى




بقلم : حنا حنا

صدر حكم المحكمه الاداريه بالقاهره بسحب الجنيسه المصريه من الاستاذ موريس صادق المحامى وعدم دخوله أرض مصر. والسبب هو المقالات التى يكتبها ضد النظام ومدى استباحة النظام لدماء الاقباط وأعراضهم وحقوقهم. وسنتعرض لهذا الحكم من الناحيه الشكليه ثم من الناحيه الموضوعيه.

من ناحيه الشكل
لا يمكن القول بأن الاستاذ موريس قد أُعلن إعلانا سليما بعريضة الدعوى. حقيقة ينص قانون المرافعات المصرى على أن المواطن يمكن أن يكون له أكثر من موطن, كما نص على أنه يمكن إعلان المدعى عليه فى أى من محلات إقامته. ولكن قد استقرت الاحكام على أنه لا يجوز التعسف فى استعمال هذ الحق حتى يتمكن المدعى من التحايل على القانون مما يمكنه من انتزاع حكم لم يعلن به المدعى عليه.
تأسيسا على ذلك, فمن المعروف أن الاستاذ موريس يقيم فى الولايات المتحدة الامريكية بصفه دائمه وليس فى مصر. فمن ثم كان يتعين أن يعلن فى موطنه بأمريكا عن الطريق الدبلوماسى, وهو تسليم عريضة الدعوى إلى النيابه وهى تتولى إعلانه بالطريق الدبلوماسى بأن ترسله إلى السفاره المصريه فى الدوله التى يقيم فيها المدعى عليه. ومن المعروف أن السفاره المصريه بواشنطن تبعد بضعة أميال عن محل إقامة الاستاذ موريس, ومن ثم يعلن إعلانا قانونيا سليما عن طريق process server. ولكن المدعين واضح أنهم أغفلوا عمدا هذا الاجراء فكانت النتيجه أنهم انتزعوا هذا الحكم دون دفاع. الامر الذى يشوب الحكم بالبطلان.
الدعوى دعوى حسبه. وهى منصوص عليها فى الشريعه الاسلاميه ولكن غير منصوص عليها فى قانون المرافعات المصرى. ذلك أن الشرط الرئيسى فى إقامة الدعوى هو شرط المصلحه. أى يتعين أن يكون المدعى له مصلحه مباشره فى إقامة الدعوى وأن النتيجه المتحصله من الدعوى تفيده فائده شخصيه سواء كانت تلك الفائده ماديه أم أدبيه. ولا يمكن لأى شخص إقامة دعوى ما لم يكن له مصلحه مباشره فى إقامة تلك الدعوى. أستثناء من ذلك نصت الشريعه الاسلاميه على ما يعرف بدعوى الحسبه. وهى أن تكون المحصله من الدعوى ذات مصلحه عامه تعود على مجموع الشعب.
وقد صدر حكم غيابى ضد الدكتوره نوال سعداوى بناء على دعوى حسبه. إلا أن محكمة الاستئناف قد ألغت الحكم تأسيسا على أن دعوى الحسبه غير منصوص عليها فى قانون المرافعات المصرى. يغنى عن البيان أن هذه السابقه ملزمه لمحكمة القضاء الادارى.
من ناحية الموضوع:
إن ما بدر من الاستاذ موريس لا يمكن أن يندرج بحال من الاحوال تحت بند "الخيانه العظمى", بل يندرج تحت بند "حق حرية التعبير".

ولنأخذ مثلا: بعض الساده المسلمين فى نيويورك قاموا بحرق العلم الامريكى وكان ذلك مقرونا بالسب واللعن لامريكا. وقد كان ذلك تحت سمع وبصر البوليس الامريكى. فتركهم رجال البوليس حتى اتموا التعبير عما يجيش فى صدورهم ورحلوا. إلا أن البوليس الامريكى لم يقبض عليهم بل كان يحميهم حتى يعبروا عما يجيش فى صدورهم. إنها حرية التعبير.
وبالمثل فقد قام الاستاذ موريس صادق بأن عبر عما يجيش فى نفسه من أسى وألم. قد يكون فى هذا التعبير بعض الخروج عن المألوف ولكن لم يخرج عن كونه تعبيرا لا يمكن أن ينحدر إلى مرتبة الخيانه... والعظمى. إنها حرية التعبير.
فإذا عرفنا عبارة الخيانه العظمى نقول: "هى العمل على الاضرار بمصلحة البلاد فى زمن الحرب" أو "إفشاء أسرار عسكريه فى زمن الحرب". ولذلك فمن المعروف أن الفريق عمر سليمان كان قد قبض على ما يقرب من أربعين مصرى يعملون لحساب إسرائيل. حكم عليهم جميعا بالسجن ليس بالاعدام لأن الخيانه لم تكن فى زمن الحرب, بل إسرائيل ترتبط برباط صداقه حميمه مع مصر.
ولكن هل يمكن أن تكون أقوال الاستاذ موريس تندرج تحت بند الخيانه "عظمى أو غير عظمى" أو حرية التعبير؟"
من بعض ماورد فى حيثيات الحكم أنه تطاول على شيخ الازهر, والقرآن الكريم, والذات الالهيه,
وعلى الرسول الكريم. هذه جميعا تندرج تحت حرية التعبير. ذلك أنه لم يصب أى سوء لهذه المقدسات جميعا. ومثل هذا "التطاول" على حد تعبير المحكمه لا يمكن أن يندرج تحت بند
"الخيانه العظمى" فهو إساءه إلى الاسلام على أسوأ تقدير. ولكن يبدو أن المحكمه قد تلافت هذا التعبير لأن من أساءوا إلى المسيحيه لا يقعوا تحت حصر. مع ذلك لم يحاكم أحد منهم ومن ثم رأى الاستاذ موريس أن يرد بنفس الكيل. حقيقة أن رد الكيل بمثله ليس أسلوبا مسيحيا ولكنه لا ولن يرتقى إلى مرتبة الجريمه فما بالك بالخيانه العظمى؟ وهنا يثور التساؤل هل لو مثل مدعى عليه مسلم بالتطاول على الانجيل أو قداسة البابا أو الكتاب المقدس سوف يعاقب بأى عقوبه وليس بالخيانه العظمى؟ أترك الاجابه للضمائر الحيه إن وجدت.
وإذا كان الامر كذلك فلا شك أن الحكم قد انتزع من جذور لا تنبته.
ورد فى حيثيات الحكم أن الاستاذ موريس حرض أعداء مصر على ضرب السد العالى وحرض إسرائيل على احتلال مصر. وللأسف أن يدرج مثل هذا الكلام فى حيثيات حكم دوله محترمه. هل هذه الدول عباره عن دمى تتحرك بمجرد أن يطلب منها موريس صادق ذلك؟ لو تكلمنا كلاما قانونيا علينا أن نلجأ إلى القانون الجنائى. من هنا نكون أمام جريمه مستحيله. هل علاقات الدول تتأثر بكلام شخص لا يقيم فى هذه الدوله؟ إن علاقات الحوارى ليس من السهل أن تتأثر بمجرد كلمه من شخص واحد بل يمكن أن يحدث شجار بين حارتبين فى مسائل عرض أو ما إلى ذلك. على أى حال بين الدول لا يمكن أن يحدث نزاع بمثل هذه البساطه لان الدول تحمكها قوانين دوليه وجيوش وعلاقات تسودها المصالح, فهذه العلاقات ليست على طرف كلمه من الاستاذ موريس. كما أن إسرائيل تربطها بمصر علاقة صداقه. مرة أخرى هذا الحكم ينتزع من جذور لا يمكن أن تنبته لانه مبنى على جريمه مستحيله.

جاء فى أسباب الحكم أنه طالب بوصايه دوليه على مصر. وهنا يثور التساؤل لماذا لم تذكر المحكمه السبب الذى دعا الاستاذ موريس بالمناداه بهذا الطلب؟ على سبيل المثال لا الحصر: إن مأساة خطف البنات المسيحيات دون أدنى حمايه من الدوله يمكن أن تكون سببا دافعا لهذا القول من فرط ما يصب عليه من أسى. إن التعدى على المسيحيين وقتلهم يمكن أن يكون سببا دافعا لهذا القول, إن تهميش المسيحيين فى وطنهم يمكن أن يكون سببا دافعا لهذا القول, إن قتل المسيحيين وتبرئة الجناه كما حدث فى نجع حمادى والكشح وصدفا والعياط والزاويه الحمراء ومنفلوط وأسيوط وأبو المطامير ودير المحرق وغيرهم وغيرهم وهى لا تقع تحت حصر يمكن أن تكون سببا دافعا لهذا القول. ولكن هل أخذت الامم المتحده مثل هذا القول مأخذ التنفيذ أو الجد؟ هل تعرضت المحكمه للاسباب الدافعه التى ملأت الاستاذ موريس بالالم والاسى فجعلته يتفوه بكل هذه العبارات من فرط الالم لان الدوله لا تحرك ساكنا إزاء تلك النكبات التى تلحق بالاقباط؟ مرة أخرى إذا انحدر قول الاستاذ موريس إلى مرتبة الجريمه فهى جريمه مستحيله لا تقع تحت طائلة القانون. ومن ثم تكون صوره من صور حرية التعبير.
ورد بالحكم أنه سعى لدولة أسرائيل لنزع سيادة الدوله المصريه واحتلالها عسكريا ووضعها تحت الحمايه الدوليه. هنا فزوره صغيره ذلك أن اسرائيل لو احتلت مصر فلن تضعها تحت الحمايه الدوليه. مرة أخرى هذه جريمه مستحيله أو قول مرسل من فرط ما يعانيه من ألم بسبب المعاناه التى يعيش فيها شريحة من أبناء وطنه. وهى جميعا تندرج تحت بند حرية التعبير. إن كلمة مرسله من شخص لا يمكن عقلا ومنطقا أن تحرك دوله ضد دولة أخرى.
ورد بالحكم أنه استغل أحداث نجع حمادى الاخيره والتى طالت المسلمين والنصارى (الحكم لم يقل الاقباط بل حذا حذو المتطرفين) والتى تصدت له الدوله بكافة أجهزتها بكل الحزم والسرعه. ( ورغم أن كاتب هذه السطور لا يذكر أن إجراء قد اتخذ بالحزم والسرعه ضد من اعتدوا على الاقباط إلا أنى سأفترض صحته.) للتحريض ضد مصر وبالفعل تم له ما أراد حيث أن منظمة اللجنه الامريكيه اليهوديه قد أدانت مصر. وهنا يثور التساؤل, هل مصر كانت بريئه من هذا الاتهام؟ سأسلم جدلا بذلك ولكن ألا يكون ذلك واقعه من ألاف الوقائع والتعديات ضد الاقباط؟ الساده المستشارون أرجو أن تتسامحوا فى واقعه واحده وتتمسكوا بمئات الوقائع التى لم تذكر لا فى الحكم ولا خارج الحكم. وهل البيان الذى صدر وأدينت فيه مصر كان بسبب تلك الواقعه فقط أم وقائع أخرى لا تقع تحت حصر؟ إنى أحكم ضمير القاضى أولا وأخيرا.

تقول حيثيات الحكم إنه طلب فرض وصايه دوليه فورا على مصر. لم يذكر لماذا طلب الاستاذ موريس هذا الطلب أو بأى مناسبه؟ يكفى أن نعلم أنها أتت بعد أربعين عاما من الاضطهاد والمعاناه.
من أسباب الحكم أن الاستاذ موريس قد حصل على جنسيه أجنبيه دون إذن من الحكومه المصريه. إن ملايين المصريين حصلوا على جنسيات أجنبيه بدون تصريح من الحكومه المصريه. حضرات المستشارين ..... إن العداله مطلقه وليست نسبيه.
هل يمكن مقارنه أقوال الاستاذ موريس المرسله بما فعله السلفيون فى قنا من رفع علم دوله أجنبيه؟ أى أن الولاء لدوله أجنبيه وليس لمصر؟ وكذا الحصول على أـموال طائله من دوله أجنبيه؟ هذه هى الخيانه العظمى بالفعل. مع ذلك فهؤلاء الجناه لا يزالوا يتمتعون بسلام الله الكامل.
حضرات المستشارين: هل اطلعتم على المأساه التى يعيش فيها الاقباط فى مصر؟ هل تعلمون أنه منذ الثوره حدث حوالى 60 حالة اعتداء على الاقباط؟ هل تعلمون أنه قبل الثوره كان هناك ما لا يقل عن 1600 حالة اعتداء على الاقباط؟ فإذا جأر ناشط مثل الاستاذ موريس بالشكوى تسحب جنسيته؟
حضرات المستشارين: بكل التقدير والاعزاز والاحترام إن سحب جنسيه مواطن مصرى لا يمكن أن تكون مثل هذه الاسباب سندا لها.
قد يكون هناك بعض التطرف من جانب الاستاذ موريس ولكنها لا يمكن أن تندرج تحت بند الخيانه العظمى.
بناء عليه
يكون هذا الحكم باطلا شكلا وموضوعا.
ومع جزيل الاحترام والاجلال

هناك تعليق واحد: