الاثنين، 10 مايو، 2010

رفعت السعيد : التعليم والفتنه



التعليم‏..‏ والفتنة ‏(2)‏
بقلم: د. رفعت السعيد ونواصل رحلتنا المثيرة لكثير من الخوف ومزيد من الخجل مع كتاب التعليم والمواطنة اعداد د‏.‏ محمد منير مجاهد واصدار جماعة مصريين ضد التمييز ونقرأ في دراسة للأستاذة فاطمة ناعوت.
كيف تتداعي نتائج السياسة التعليمية القائمة علي التمييز بحيث تسيطر علي مفردات حياتنا ونقول كم مرة ضبطنا أنفسنا ونحن نقول‏:‏ فلان صديقي وهو مسيحي بس طيب‏.‏ أو الدكتور بتاعي مسيحي بس عنده ضمير ويقول هذه العبارات لا يقولها متطرفون بل هي تتراكم وتوشك أن تكون ـ ويا للأسف ـ جزءا من موروثنا الشعبي فكلمة بس العامية هي مثل ولكن الفصحي أداة استدراكية‏,‏ والاستدراك في كل لغات العالم يعني استدراك المعني الأول بما هو نقيض له‏.‏ وتمضي فتشير إلي كتاب الفلسفة والذي يدرسه طلاب الثانوية وكيف انه يؤكد أن الفلسفة لا تتعارض مع الدين ثم يؤكد ذلك بآيات من القرآن والأحاديث الشريفة فقط بما دفع طالبا مسيحيا إلي أن يقول في براءة أن الفلسفة ليست ضد الدين الإسلامي‏.‏ ونتساءل أليس من الأوفق الاستشهاد بآية ولو واحدة من الإنجيل‏,‏ لكي لا يستقر في ذهن الطلاب أن الدين هو فقط الإسلام‏.‏وإذ نعود إلي دراسة د‏.‏ كمال مغيث نقرأ أن المدرسة المصرية في النصف الأول من القرن الماضي قد التزمت بقواعد المواطنة والدولة المدنية الحديثة ونجحت هي والجامعة في تخريج طبقة من المثقفين الليبراليين الذين أسهموا في غرس ثقافة حقيقية للمواطنة والتفاعل بين كل مكونات المجتمع‏.‏ ثم يقول وراحت الليبرالية بعد لك تضمحل شيئا فشيئا مع سياسة الحزب الواحد‏.‏ ومع وصول السادات إلي الحكم حاول البحث عن مشروعية مغايرة فراح يسعي نحو قوي الرجعية واليمين الديني‏.‏ ثم يشير د‏.‏ مغيث إلي ما يسميه بنية الاستبداد الثقافي وغياب قيم المواطنة‏,‏ فالدولة تتبني نسقا تعليميا يجبر الطلاب علي الطاعة والانصياع وعدم النقد أو الاختلاف‏.‏ نسق يقوم علي الأوامر ذاكر ـ احفظ ـ سمع‏,‏ أجب‏,‏ اجابة نموذجية‏..‏ الخ من أوامر لا علاقة لها بالمعرفة الحقيقية ولا بأعمال العقل بما يجعل الطالب متلقيا سلبيا يكون همه الوحيد هو النجاح والحصول علي الشهادة وفقط‏.‏ويشير بحث شديد الأهمية والخطورة قدمه د‏.‏عماد صيام إلي سعي قديم ومستديم لقوي التأسلم السياسي لسيطرة آليات التعليم في المدرسة‏.‏ وذلك منذ نشأة الجماعة المحظورة عام‏1928‏ وحتي الآن‏.‏ ويقدم لنا احصاءات عن عدد المقبوض عليهم في قضايا الإرهاب أو الانتماء لجماعة الإخوان ويقول‏:‏ بالتأكيد نحن لا نطالب بحرمانهم من حق العمل ولا من حقهم في العودة لعملهم بعد الإفراج عنهم‏,‏ ولكن علينا التفكير وبشكل عميق في تأثيرهم الفكري والثقافي والسياسي علي من يعملون معهم سواء كانوا طلابا أو مدرسين‏(‏ ص‏69)‏ ويقدم د‏.‏صيام أرقاما مخيفة وردت في دراسة أجراها المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية التابع لوزارة التربية والتعليم علي عينة من المدرسين والطلبة ضمت‏120‏ مدرسا ثانويا وعديدا من الطلاب في أربع مدارس ثانوية بمنطقة امبابة حيث كانت تستشري افكار التطرف‏,‏ ومدارس وسط القاهرة‏(‏ أجري الاستطلاع في ابريل‏1993)‏ وكانت النتيجة كما يلي‏:64.7%‏ من طلاب مدارس امبابة يرون أن المدرسين يفرقون بين الطلاب علي أساس من الدين‏,‏ ويوافق علي ذلك أيضا‏54%‏ من طلاب وسط القاهرة‏.‏ وان أكثر من‏11%‏ من المدرسين يرون عدم خروج المرأة للعمل‏.‏ وان‏26%‏ منهم يرون أن سبب الأزمة الاقتصادية هو غصب الله‏.‏ ولا شك أن هذه الأرقام تزايدت كثيرا جدا الآن مع استمرار زيادة التطرف والمتطرفين والتأسلم والمتأسلمين في مناخنا‏.‏ ولا شك أن هذه الأرقام تقف عائقا أمام أي تطوير محتمل للعملية التعليمية بما يحتاج منا إلي جهد كبير لإعادة تثقيف هذه الجموع من المدرسين سواء عبر دورات أو عبر تصويب الأداء الإعلامي عامة‏.‏ ويشير الباحث إلي أن تدخل بعض أعضاء مجلس الشعب بمحاولات الهجوم علي أي اتجاه لترسيخ الفكر العقلاني والنقدي وثقافة المواطنة داخل المؤسسة التعليمية تحت دعاوي الغزو الثقافي ومحاولات هدم الهوية‏(‏ ص‏73)‏ كما يشير إلي استثمار تيار التأسلم للاتجاه نحو زيادة المدارس الخاصة فأنشأ العديد من المدارس ساعيا بذلك أن فرض نفوذه الفكري والسياسي علي أبناء أسر الطبقة الوسطي التي تسعي نحو تعليم أفضل لأبنائها في ظل تدهور أوضاع التعليم الحكومي‏.‏ونقرأ بحثا ممتعا للدكتورة الهام عبدالحميد بلال وكيل كلية التربية ـ جامعة القاهرة يشير إلي مخاطر الثقافة التلقينية التي ترفض التحليل أو المراجعة أو النقد‏.‏ ثقافة تعتمد علي النقل الجامد غير الموضوعي والمعتمد علي الإجابات الجاهزة دون فهم أو تحليل‏.‏ وهذه الثقافة تتسم من البداية بالتمييز لأنها لا تهتم بوجهات النظر المتعارضة أو المختلفة‏,‏ ولا تراعي استخدام آليات النقد‏,‏ وهي تستند إلي صمت المتلقي وخوفه‏,‏ ومن ثم فهي واحدة من أهم آليات التمييز الديني حيث إنها تحرم الطالب من استخدام المناقشات العقلانية والموضوعية فيستسلم إلي ما هو كائن‏,‏ علي انه حتمي ويقيني‏.‏ والثقافة التلقينية ترتبط بنفي الآخر الأقل عددا والأقل قوة فالذي يتحدث في الفصل الدراسي هو المدرس أي الأقوي ولا يسمح بالحوار إلا لمن يؤكد سطوته وينفي الآخر‏.‏ كما يتضح ذلك من خروج الأقل عددا من حصص الدين بما يكرس الاغتراب والعزلة وحتي إجبار الفئة الأقل عددا علي الصوم في شهر رمضان بإغلاق الكانتين في المدرسة‏.‏والحقيقة أن الدرسات في مجملها تقدم لنا صورة مخيفة عن أثر التعليم في استنبات بذور التمييز ومن ثم مرارات الفتنة‏.‏ بما يستوجب مراجعة شاملة وحاسمة وحازمة لآلياته‏.‏ وهي مراجعة تتطلب أن تأتي سريعا‏.‏ بل وسريعا جدا‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق